سلمان هادي آل طعمة
127
تراث كربلاء
ولا بدّ لنا أن نلقي ضوءاً على ما كانت عليه الحالة في المدينة من تفكّكٍ اجتماعيٍّ ساعد العثمانّيين على استغلال نقاط الضعف التي هيّأت لهم الفرصة لإنزال ضربةٍ قاضيةٍ واستباحة المدينة ، وهو ما تطرّق له الدكتور عبد العزيز سليمان نوّار بقوله المذكور سابقاً . ونظراً لانقسام ( اليارمز ) إلى فرق ، كان ينشب فيما بينها صراعٌ دمويٌّ شديد ، كان يعاني منه شعب كربلاء المسالم أشدّ أنواع الخسائر الماديّة والإرهاق العصبيّ . وفي خضمّ هذه الفوضى تفوّق زعماء اليارمز على هيبة كبار علماء الشيعة في المدينة ، وكان لهم النفود الأكبر من قبل ، ولكن وجد العلماء في انقسام اليارمز إلى طوائف فرصة لكسب أعوان لهم من بينهم فكان أن انشطر اليارمز إلى شطرين ؛ أحدهما مع الزعيم الديني الشهير السيد كاظم الرشتي ، والآخر مع زعيم ديني آخر يُدعى السيد إبراهيم القزويني . وإذا كان علي باشا رضا قد قبل أن يترك لكربلاء أن تحكم نفسها بنفسها وتجني ثمار الفوضى القاتلة ، فإنّ نجيب باشا - وقد هدأت أزمة الشام ، وتفرّغ حكّام العراق لتأكيد نظام الحكم المباشر فيه - ما كان ليسكت على ترك كربلاء هكذا دون أن تخضع له . على أنّ حنق نجيب باشا اشتدّ لدرجةٍ كبيرةٍ عندما أراد أن يذهب للزيارة ، فحدّد له أولو الأمر في المدينة عدد مرافقيه بستّة أشخاصٍ فقط ، هذا بالإضافة إلى أنّهم رفضوا أن يلبّوا رغبة نجيب في أن يمدّوه بتموينٍ لجيشه في سنة 1842 م . وفي أوكتوبر من تلك السنة كان نجيب باشا معسكِراً على رأس جيشه في منطقة ( المسيّب ) في طريقه لتأديب عشائر المعدان الثائرة ، فانتهز الفرصة واتّصل بكبار علماء كربلاء الدينيين ومجتهديها وطلب منهم أن يعينوه على إعادة النظام إلى المدينة . وقد نجحت مفاوضاته مع كاظم الرشتيّ ومع ( ظلّ السلطان ) أحد أبناء فتح علي شاه والسيّد وهّاب حاكم المدينة ، واتّفق هؤلاء مع نجيب باشا على أن يبعث إليهم بأحد البغداديّين لوضع الخطوط النهائية لما سيكون عليه أمر حكم المدينة . واستطاع المفاوض البغداديّ أن يقنع الطرف الآخر بإدخال خمسمئة جنديٍّ كحاميةٍ في